صديق الحسيني القنوجي البخاري
110
فتح البيان في مقاصد القرآن
العقول إلى كنه جلالته . قال مطرف أنصح عباد اللّه للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق لهم هم الشياطين . ثم لما ذكر سبحانه أصحاب النار وأنهم حقت عليهم كلمة العذاب ، ذكر أحوالهم بعد دخول النار فقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ قال الواحدي . قال المفسرون إنهم لما رأوا أعمالهم ونظروا في كتابهم ، وأدخلوا النار ، ومقتوا أنفسهم بسوء صنيعهم ، ناداهم حين عاينوا عذاب اللّه مناد : لَمَقْتُ اللَّهِ إياكم في الدنيا أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ اليوم ، أو من مقت بعضكم بعضا اليوم قال الأخفش : هذه اللام هي لام الابتداء وقعت بعد ينادون ، لأن معناه يقال لهم ، والنداء قول ، قال الكلبي : يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه مقتك يا نفسي ، فتقول الملائكة لهم وهم في النار : لمقت اللّه إياكم إذ أنتم في الدنيا أشد من مقتكم أنفسكم اليوم . وقال الحسن يعطون كتابهم فإذا نظروا إلى سيئآتهم مقتوا أنفسهم فينادون لمقت اللّه إياكم في الدنيا . إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فتكفرون أكبر من مقتكم إذ عاينتم النار والظرف منصوب بمقدر محذوف دل عليه المذكور ، أي مقته تعالى إياكم وقت دعائكم ، وقيل هو اذكروا ، وقيل بالمقت المذكور أولا ، والمقت أشد البغض ، والمراد به هنا لازمه وهو الغضب عليهم ، وتعذيبهم ، قاله أبو السعود وقال الكرخي المراد منه هنا أشد الانكار والزجر فَتَكْفُرُونَ أي فتصرون على الكفر اتباعا لأنفسكم الأمارة ، ومسارعة إلى هواها ، واقتداء بأخلائكم المضلين ، وتقليدا لأسلافكم المتقدمين ، واستحبابا لآرائهم . ثم أخبر سبحانه عما يقولونه في النار فقال : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 11 إلى 14 ] قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 ) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 14 ) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ نعتان لمصدر محذوف ، أي أمتنا إماتتين اثنتين ، وأحييتنا إحياءتين اثنتين ، والمراد بالإماتتين أنهم كانوا نطفا لا حياة لها في أصلاب آبائهم ، ثم أماتهم بعد أن صاروا أحياء في الدنيا والمراد بالإحياءتين أنه أحياهم الحياة الأولى في الدنيا ، ثم أحياهم عند البعث ، ومثل هذه الآية قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [ البقرة : 28 ] قاله ابن مسعود ، أي كانوا أمواتا في صلب آبائهم ، ثم أخرجهم فأحياهم ، ثم أماتهم ، ثم يحييهم بعد